أحمد بن محمد ابن عربشاه
330
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
في العلوم ووصل إلى استخراج الضمير المكتوم ، وقد بدلت بلادته بالذكاء وصار فؤاده كابن ذكاء ، فإن اقتضت الآراء السلطانية سبرته ، واعتبرت فهمه بعد ما اختبرته ، فأدخل السلطان يده في كمه ونزع خاتمه من بصمه « 1 » ، وأطبق يده عليه ليسبر منتهى علمه ، وينظر ما قاله الوزير في كيفية هذا التبديل والتغيير ، ثم أخرج يده من كمه وقال : ليظهر نتائج علمه ، ليخبرنا بما في كفّى وعن حواس العيون مخفى ، فتقدم الشاب ورفع الأصطرلاب « 2 » ، ووضع أوضاع الحساب وخط ذلك النقى أشكال لحيان والنقى ، وسائر الأوضاع من الطريق والاجتماع ، ثم نظر وسبر وعبس وبسر وقدر وافتكر ، وقال : دل الشكل والله أعلم أن ما حواه الكف المكرم ، شيء من المعادن مخفوف بسؤدد أو سواد بائن ، وهو في أفضل الأشكال لأنه مستدير ، وفي أحسن الألوان لأنه مستنير ، وفي دائرته قطر ومركز ، وفي وسطه ثقب لمغرز وهو ثقيل ، إما في الثمن أو في التحميل ، ثم تأمل بعد الوقوف في أن هذا الموصوف ما ذا يكون ، فقال : كان والله أعلم فردة طاحون « 3 » ، فضحك السلطان الكبير وخجل لذلك الوزير ، ثم قال السلطان : أبى الله ، وله السبحان ، أن يكون بأقل كسحبان : إذا كان الطباع طباع سوء * فليس بنافع أدب الأديب وإنما أوردت هذه المسائل ؛ لئلا يعترض قائل ، ويستدل بمثل هذا الدليل على أن الطباع لا تقبل التغيير والتحويل ؛ بل الطباع تتغير ومن ذا الذي يا عزلا يتغير ، فسبحان من لا يحول ولا يزول ؛ الذي وضع عالم الكون على الانتقال والحلول ، وكلّ لجلال عظمته مخبت « 4 » ، يمحق ما أراد
--> ( 1 ) إصبعه . ( 2 ) آلة ، تستخدم في حساب النجوم والفلك . ( 3 ) حجر مستدير من حجري الطحون . ( 4 ) منكسر ذليل خاشع .